سوق النخاسة الفضائية: تفكيك ظاهرة الهاشمي الحامدي من “زكاة” بن علي إلى “ريع” المحاور

لا يمكن مقاربة ظاهرة الإعلامي والسياسي التونسي، الهاشمي الحامدي، وسيرورة قناته “المستقلة” التي تبث من ضباب لندن، إلا بوصفها عينة مخبرية صارخة على ما نسميه “الابتذال غير المسبوق” في المشهد الاتصالي العربي؛ حيث يتحول الإعلام من سلطة رابعة لكشف الحقيقة إلى بندقية للإيجار، و”تجارة ريعية” تتنقل يمينا وشمالا في تيه سياسي وأخلاقي، دون بوصلة سوى إشارات التحويل البنكي.

إن تفكيك هذه الظاهرة لا ينطلق من الخصومة الشخصية فلم تجمعني به أي علاقة لا من قريب أو بعيد، بل من وازع الموقف التحرري المبدئي الذي يرى في “شراء الذمم” وبيع المواقف والمقايضة بالهوية والدين طعنة مسمومة في خاصرة الوعي الشعبي والجمعي، لا سيما حين تلتقي انتهازية الإسلام السياسي مع المال النفطي وأجهزة الدعاية الديكتاتورية.

صكوك الغفران من “وكالة الاتصال الخارجي”

تاريخيا، قفز الحامدي من عباءة حركة “النهضة” الإسلامية في تونس إبان تسعينيات القرن الماضي، لا بدافع مراجعة فكرية تقدمية ترفض المتاجرة بالدين، بل ليدشن مرحلة تحالف نفعي فج مع نظام زين العابدين بن علي. عقب سقوط الصنم في جانفي 2011، لم تعد اتهامات “الارتزاق” مجرد تحليل سياسي، بل تحولت إلى وثائق قضائية دامغة كشفتها تقارير “وكالة الاتصال الخارجي” (ATCE) – الذراع البروباغاندية للاستبداد التونسي.

الوثائق الرسمية التي نشرتها الصحافة الاستقصائية التونسية (مثل منصة Nawaat) أكدت أن الحامدي تلقى في عام 2009 وحده ما لا يقل عن 12 تحويلا ماليا تجاوزت قيمتها 436 ألف دينار تونسيا (نحو 400 ألف دولار بسعر صرف ذلك الوقت) تحت غطاء “عقود إعلانية”. في المقابل، تحولت شاشة “المستقلة” إلى منصة لتشويه معارضي الخارج الشرفاء وحجب الحقائق عن بؤس الشعب التونسي. هذه العلاقة النفعية وثقتها أيضا منظمات دولية مثل Freedom House في تقريرها الشامل Countries at the Crossroads، حيث أُشير بوضوح إلى اعتراف الحامدي لاحقا بتلقي تلك الأموال الطائلة مبرراإياها بـ “حقوق الإعلان” في محاولة بائسة للالتفاف الأخلاقي على حقيقة التمويل السياسي.

شاشات الفتنة المذهبية.. المحتوى كـ “منتج تجاري” للمحاور الإقليمية

مع تغير موازين القوى في المنطقة العربية، وإدراك الحامدي أن ريع النظام القديم قد جف، انتقل بقناته سريعا نحو فضاء الخليج العربي. لم تكن البرامج الحوارية الساخنة التي أطلقتها “المستقلة” حول الخلافات المذهبية والتاريخية (السنة والشيعة، الإمامة والخلافة) جهدا معرفيا لفهم التراث، بل كانت “بضاعة أيديولوجية” صُممت بدقة لتوافق هوى أطراف إقليمية مستعدة لدفع مبالغ فلكية لتمويل منصات تشن حروبا بالوكالة ضد خصومها.

هذا التذبذب في الولاءات يتجل بوضوح في “الإنقلابات السياسية” الصادمة للحامدي؛ فبين ليلة وضحاها، يتحول من الإشادة بمحور أو دولة خليجية بعينها، إلى الهجوم اللاذع عليها والمطالبة بالاعتذار لخصومها (كما حدث في تقلباته الفجة عام 2020 بين مختلف محاور الأزمة الخليجية). إنه نموذج صارخ لـ “مثقف الأبراج العاجية والشاشات التلفزيونية” الذي يبيع الموقف لمن يدفع أكثر، بعيدا تماما عن وعي الجماهير العفوية ونبض الشارع الحقيقي.

في قبضة الرقابة البريطانية.. كسر الحياد والتوظيف الذاتي

حتى في بيئة العاصمة البريطانية، لندن، التي تدعي حماية حرية التعبير بينما تمارس أجهزتها ومؤسساتها الإعلامية “مكارثية جديدة” وازدواجية معايير واضحة في قضايا التحرر، لم يسلم الحامدي من الإدانة القانونية بسبب جشعه السياسي.

في عام 2012، أصدرت هيئة البث البريطانية (Ofcom) إدانة رسمية ضد قناة “المستقلة” نُشرت في نشرتها الدورية (Broadcast Bulletin, Issue 204). التحقيق أثبت أن الحامدي اخترق بشكل صارخ قواعد “الحياد الإعلامي الدقيق” (Due Impartiality)، حيث حوّل قناته الفضائية بوقا شخصيا حصريا للدعاية لتياره السياسي “العريضة الشعبية” خلال انتخابات المجلس التأسيسي التونسي عام 2011. ورغم محاولاته الالتفافية بادعاء أنه يظهر كـ “ضيف”، أكد التقرير البريطاني وجود تضليل متعمد للمشاهدين وتوظيف لا أخلاقي للمنصة الإعلامية لخدمة مصالح مالية وسياسية ذاتية.

البعد الدولي وعولمة الانتهازية

إن ظاهرة “زناة التاريخ” الذين يوظفون المنصات الإعلامية لخدمة الممول لا تقتصر على لغة الضاد؛ فإذا ما تتبعنا القاموس الدولي للصحافة الاستقصائية ومراكز رصد التمويل السياسي المشبوه عبر العالم – وحتى لو استعرنا أدبيات الرصد من أقصى جنوب القارة الإفريقية بلغة السوتو (Sesotho) حيث تُعرف هذه الظاهرة بـ “ba-ganyapa ba lipolotiki” (أي التماسيح السياسية التي تقتات على مستنقعات المال المشبوه) – فإن التوصيف الأكاديمي والسياسي يظل واحدا: سقوط البوصلة المبدئية لحساب البراغماتية المتوحشة.

في تونس، واجه الحامدي الصفعة الأكبر من وعي “مثقفي قارعة الطريق” والشعب الذي رفض عروضه الشعبوية؛ فحرمته الهيئة العليا المستقلة للانتخابات (ISIE) في محطات عدة، لا سيما في عام 2019، من استخدام أموال متدفقة من الخارج، معتبرة إياها “تمويلا أجنبياممنوعا” بموجب القانون، ليتحطم مشروع “الريع السياسي” أمام يقظة المؤسسات والشارع.

التيه السياسي

إن الهاشمي الحامدي وقناته “المستقلة” يمثلان التجسيد الحي لـ “التيه السياسي” الذي تعيشه النخب المدجنة؛ نخب تقتات على الفتنة، وتتنقل بين عواصم القرار والتمويل، عارضة خدماتها الإعلامية كسلعة في سوق النخاسة. إن الانعتاق الحقيقي للإعلام العربي لن يتحقق إلا بتعرية هذه النماذج الارتزاقية، والانتصار للكلمة الحرة، المقاومة، والمبدئية التي لا تباع في أسواق المال الأجنبي ولا تخضع لشروط الهيمنة الإمبريالية وأعوانها في المنطقة.

0
Show Comments (0) Hide Comments (0)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
المقالات الأخيرة: